ابن قيم الجوزية
137
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
يحل لأحدهما أن يجد روائح هذا الأمر ونفسه ، لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم ، كما هو مفسد لحاسة الذوق ، فلا يذوق طعم الإيمان ، ولا يجد ريحه . والمحروم كل المحروم من عرض عليه الغنى والخير فلم يقبله ، فلا مانع لما أعطى اللّه ، ولا معطي لما منع ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم . مثل فرح الرب بتوبة العبد : هذا إذا نظرت إلى تعلق الفرح الإلهي بالإحسان والجود والبر . وأما إن لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبودا : فذاك مشهد أجلّ من هذا وأعظم منه . وإنما يشهده خواص المحبين . فإن اللّه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ، الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته . وهذا هو الحق الذي خلقت به السماوات والأرض ، وهو غاية الخلق والأمر . ونفيه - كما يقول أعداؤه - هو الباطل ، والعبث الذي نزه اللّه نفسه عنه ، وهو السّدى الذي نزّه نفسه عنه : أن يترك الإنسان عليه ، وهو سبحانه يحب أن يعبد ويطاع ولا يعبأ بخلقه شيئا لولا محبتهم له ، وطاعتهم له ، ودعاؤهم له . وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك ، وأنهم لو خلقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى ، وذلك مما يتعالى عنه أحكم الحاكمين . والإله الحق ، فإذا خرج العبد عما خلق له من الطاعة والعبودية . فقد خرج عن أحب الأشياء إليه ، وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة ، وصار كأنه خلق عبثا لغير شيء ، إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها ، بل قلبته شوكا ودغلا ، فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله : فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب الأشياء إلى خالقه وفاطره ، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها ، وخرج عن معنى العبث والسّدى والباطل . فاشتدت محبة الرب له ، فإن اللّه يحب التوابين ويحب المتطهرين . فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدّر من الفرح ، ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي صلى اللّه عليه وسلم لذكره ، ولكن لا فرحة أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغة في سفره ، بعد إياسه من أسباب الحياة بفقده . وهذا كشدّة محبته لتوبة التائب المحب إذا اشتدت محبته للشيء وغاب عنه . ثم وجده وصار طوع يده . فلا فرحة أعظم من فرحته به . فما الظن بمحبوب لك تحبه حبا شديدا ، أسره عدوك ، وحال بينك وبينه ، وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب ، ويعرّضه لأنواع الهلاك ، وأنت أولى به منه . وهو غرسك وتربيتك . ثم إنه انفلت من عدوه ، ووافاك على غير ميعاد ، فلم يفجأك إلا وهو على بابك ، يتملّقك ويترضاك ويستعينك ، ويمرغ خدّيه على تراب أعتابك . فكيف يكون فرحك به ، وقد اختصصته لنفسك ، ورضيته لقربك ، وآثرته على سواه ؟ هذا . ولست الذي أوجدته وخلقته ، وأسبغت عليه نعمك ، واللّه عزّ وجلّ هو الذي أوجد عبده ، وخلقه وكوّنه ، وأسبغ عليه نعمه ، وهو يحب أن يتمّها عليه ، فيصير مظهرا لنعمه ، قابلا لها ، شاكرا لها ، محبا لوليّها ، مطيعا له عابدا له ، معاديا لعدوه ، مبغضا له عاصيا له . واللّه تعالى